الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ تعليل للتعجيب الإنكاري باعتبار ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفا ، فموقع حرف التوكيد هنا لمجرد التعليل ، كقول بشار : إنّ ذاك النجاح في التبكير ولك أن تجعل تذييلا . والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ، أي من الكائنات فيهما . والآية : الدليل والتعريف للجنس ، فالمفرد المعرّف مساو للجمع ، أي لآيات كثيرة . والمنيب : الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في الآخرة فهو يقدّر المواعظ حقّ قدرها ويتلقّاها بالشك في الحالة التي وعظ من أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين مرتديا برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة اللّه ، ومن أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم . [ 10 ، 11 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) مناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى ذكر داود خفيّة . فقال ابن عطية : ذكر اللّه نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا ، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديما . وقال الزمخشري عند قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ سبأ : 9 ] لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات اللّه على أنه قادر على كلّ شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به ا ه . فقال الطيبي : فيه إشارة إلى بيان نظم هذه الآية بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا لأنه كالتخلص منه إليه ، لأنه من المنيبين المتفكرين في آيات اللّه ، قال تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 17 ] ه . يريد الطيبي أن داود من أشهر المثل في المنيبين بما اشتهر به من انقلاب حاله بعد أن كان راعيا غليظا إلى أن اصطفاه اللّه نبيئا وملكا صالحا مصلحا لأمة عظيمة ، فهو مثل المنيبين كما قال تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وقال : فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ ص : 24 ] ، فلإنابته وتأويبه أنعم اللّه عليه بنعم الدنيا والآخرة وباركه وبارك نسله . وفي ذكر فضله عبرة للناس بحسن عناية اللّه بالمنيبين تعريضا بضد ذلك للذين لم يعتبروا بآيات اللّه ، وفي هذا